rachid-filali

rachid-filali
Profiles

هاينريش هاينه تقاسيم للحب العذري

mai 12th, 2012


 

رشيد فيلالي

يعتبر الشاعر الألماني الرقيق “هاينريش هاينه ” صاحب طفرات شعرية شفافة تصنف الآن من جواهر المذهب الرومانسي في الأدب العالمي والألماني منه خاصة ، لقد تأثر هذا الشاعر الألماني ذائع الصيت إبان مسيرة حياته الشعرية بالأدب العربي القديم، تأثرا واضحا إنعكس على نحو بارز وجلي ضمن بعض أشعاره الغزيرة، ذات الأنفاس الوجدانية الحلوة، وسيما في قصيدته الجميلة ” آسترا ” التي تضمنها كتابه ” رومانسي ” وآسترا هذه حسب شاعرنا هاينه، اسما يطلق على مجموعة قبائل يمنية كان أهلها يموتون حين تستبد بهم تباريح العشق والغرام ، وباعتقادنا أن شاعرنا الألماني قد إلتبس عليه الأمر، فخلط بين مدينة إيرانية اسمها “آستراباد” تقع شمالي إيران، وبين قبائل بني عذرة، وهم ينتمون الى قضاعة، وكانوا كما تقول المراجع التاريخية يقطنون شمال الحجاز، حيث عبدوا الشمس قبل إعتناقهم الإسلام وإليهم ينسب الحب العذري، وليس الى سكان مدينة “آسترا” وقد ذكرت ذلك الدكتورة زيغريد هونكه في معرض حديثها عن عاطفة الحب لدى العربي في كتابها الشهير ” شمس الله تسطع على الغرب” والمنقول الى العربية تحت عنوان ” شمس العرب تسطع على الغرب “..ولعله من نافلة القول ذكر اسم الشاعر جميل الذي إشتهر بحبه العذري لبثينة، وهما من أبناء هذه القبيلة العربية المعروفة كما هو شائع، لكن مايهمنا الآن هو التعريف بحياة هذا الشاعر الألماني الكبيروتفاصيلها العاصفة ..

 

 ولد هاينريش هاينه عام 1856_1797 بمدينة دوسيلدورف الألمانية ونشأ في كنف عائلة محبة للعلم والمعرفة رغم إحتراف أفرادها للتجارة، وقد مرت هذه العائلة بضائقة مالية خانقة دفعت بشاعرنا مرهف الحس الى القيام بأعمال حرة ..أمضى هاينه دراسته الثانوية من سنة 1807 حتى 1814 في نفس المدينة ثم تابع تعليمه متنقلا من جامعات كل من بون، برلين وغوتنغن ، وبعد عدة محاولات ألف سنة 1823 كتابه ” فاصل غنائي ” مستلهما إياه من حبه التعيس مع ابنة عمه إميلي سالمون، هذا العمل الأدبي الذي عزف فيه هاينه على وتري البساطة والعواطف المحبطة ، حيث إستطاع بواسطته أن يقتحم ذلك الميدان المطروق بكثرة وهو عالم العواطف المتضادة والمتعاكسة ، وفي عام 1825 أكمل دراسته الجامعية متحصلا على لقب دكتور في القانون، وعلى مدى هذه الفترة جرب الإقامة التي حملته ولأسباب صحية الى ساحل بحر الشمال، بخاصة في هيليغا لاند و نورديني موجها إلهامه نحو الوصف التصويري المتولد عن عالمي الضباب والإمتدادات الداكنة الكئيبة المحملة بشتى الأسرار الغامضة.. لقد عالج هاينه أيضا في أشعاره مواضيع أكثر تميزا وفخامة متطرقا في عمله ” رمنتان ” الى موضوع مستلهم من الملحمة النابوليونية (نسبة الى نابوليون بونابارت ) ..عاش هاينه الشاعر حتى ذلك الحين من دون عمل قار يكفل له الحصول على قوت يومه ، بيد أنه إستطاع أن يحل هذا المشكل بتكريس وقته لأداء بعض الأعمال المكسبة للمال، حيث ألف كتابا إشهاريا بعنوان ” رسائل من برلين ” (1821) بعد ذلك تصدى لمسألة بولونيا البروسية وكتب ” مشاهد من سفر ” مستوحيا نصه من تقاليد شعبية قديمة، وكان في كل ذلك يعدل بحس ثوري قواعد الكتابة في الأجناس الأدبية المعروفة ، وبالتأكيد كان الوصف التصويري الذي تميز به أسلوبه دائم الحضور في تلك الأعمال، لكن كخلفية فقط كانت في أغلب الأحيان تقوم مقام الهجاء الشعبي وحتى السياسي.. في عام 1827 عاد هاينه الى الإستلهام الوجداني ناشرا ” كتاب الأغاني ” الذي إستعاد فيه موضوع الأسف وخيبة الأمل ..لم يعثر هاينه على العمل الثابت بعد وكانت إنتقاداته الموجهة للنظام لم تسهل له أي تحسن يذكر في هذا الإتجاه ..في عام 1828 لم يتوصل الى الحصول على كرسي (الأستاذية ) بجامعة ميونيخ وبانجذابه الى ثورة 1830 قرر بالتالي شد الرحال الى باريس، حيث وصل عاصمتها سنة 1831 ليتكيف منذ ذلك الحين وبسرعة مع أجواء حياته الجديدة ويقرر إبتداء من سنة 1832 الكتابة ل” الجريدة الجامعية لأوسبورغ” ويجمع تلك المقالات بعدها تحت عنوان ” من فرنسا ” (1832) وفي هذه المقالات تعرض للأحداث والوقائع التي جرت تحت نظام جويلية عامة ..بعدها كرس نفسه لكتابة تاريخ الأفكار والمثل ..وفي عام 1833 رسم في كتابه ” المدرسة الرومانسية ” الحدود القصوى للمذهب الرومانسي معتمدا في ذلك وبشكل خاص على ميله ومزاجه ورؤاه..

 

في عام 1834 في كتابه ” فلسفة في ألمانيا ” حاول أن يبين فيه أنه بعد الثورة الثقافية للوثر وديكارت دعا هذان الرجلان أيضا الى القيام بثورة سياسية وإجتماعية مكملتين في نفس ذاك العام ..تعرف هاينه على موظفة تعمل في متجر ثم تزوجها سنة 1841 وإثر معاناته الشديدة من مرض في النخاع الشوكي بدأت صحته في التدهور شيئا فشيئا، ليصاب بعد ذلك بالشلل النصفي ..وفي عام 1843 كتب ” أتار الجبار “(وهو كائن خرافي من الميثولوجيا الإسكندنافية ) وفيه ثارت ثائرته ضد الرجعية البروسية المستفحلة ..وفي خاتمة حياته تحول نحو التصور المتمرد للقيم الميتافيزيقية، وأثناءها كتب أيضا نص ” رومانسي ” سنة 1851 حيث عبر من خلال هذا العمل الشعري عن وساوسه الدينية كانسان عليل طريح فراش المرض ..وفي عامي 1853 و 1854 ألف كتابه ” أشعار ” ذاكرا فيه وبموهبة فريدة و متأصلة بطش الداء وفتكه به ، هذا الأخير الذي أجبره على التفكير في إقتراب ساعة رحيله عن الحياة والإلتفاف من ثمة الى الماضي البعيد، حيث يستعيد بدموع مدرارة و كاوية ذكريات حبه الأول ..

 

هذه نظرة شاملة وعجلى عن حياة الشاعر هاينريش هاينه، قد تكون شديدة الإيجاز إلا أنها تصلح في أن تمنحنا نظرة  ولوعامة عن الشخصية المثيرة للجدل لهذا الشاعر الرومانسي الكبير الذي تغنى وأجاد الغناء بالحب العذري سيما عند العرب، مسقطا بالمفهوم السيكولوجي تجربته الفاشلة مع حبه الأول لإبنة عمه إيميلي سالمون، حيث صب معاناته تلك في قصيدته الخالدة ” آسترا ” وكأنه يريد أن يطلع العالم عبرها بأن حياته الحقيقية توقفت عندما فشل في ذاك الحب الذي كان على مايبدو من طرف واحد، وإلى القاريء نسوق المقطع الذروة في هذه القصيدة الحزينة و المعبرة :

 

“..وأجاب العبد الأسير

 

اسمي محمد

 

ولدت في اليمن

 

وأنا من قبائل آسترا

 

الذي يموت أهلها

 

حينما يعشقون”.





Créer un Blog | Nouveaux blogs | Top Tags | 82 articles | blog Gratuit | Abus?