rachid-filali

rachid-filali
Profiles

لاو شيه ..عملاق الأدب الصيني المعاصر

mai 12th, 2012

 

 

رشيد فيلالي

عاش غريبا في وطنه وانتهى ضحية على يد الحرس الأحمر ..”لاو شيه” هو من دون أدنى شك أعظم كاتب صيني في القرن العشرين..تعد رائعته الأدبية ” أربعة أجيال تحت سقف واحد ” عملا خالدا في الأدب العالمي.

 

آخر العمالقة

 

يعتبر “لاو شيه  “أحد عمالقة الرواية الصينية المعاصرة رفقة مواطنه ” باكين ” فهذان الكاتبان هما اللذان إفتتحا عالم الأدب الصيني بتأثير من الفن الغربي في هذا المجال، ورغم ذلك فان “لاوشيه” في الوقت الراهن معدود بين الكتاب المجهولين! ومرد ذلك بلا ريب عائد الى إزدواجية التزامه حيال ثورة ماو الغابرة الآن في حكم التاريخ.. والحقيقة أن “لاو شيه” كان طوال حياته ضحية سوء تفاهم.. فلقد عاش غريبا في وطنه وفي مدينته بالذات.. حيث لفته تلك العاصفة التي هزت الصين منذ رحيل آخر الأمبراطوريات حتى إمساك الشيوعين بمقاليد الحكم.. كان يمثل في صدق الانسان الصيني في الأزمنة الحديثة ..هذا الأخير الذي عبر مختلف المجاعات والحروب والثورات ظل يعتبر كسب لقمة العيش له ولعائلته شغله الشاغل المستديم.. ولد هذا الأديب الكبير عام 1898 من عائلة تنتمي الى سلالة ” الماندشو ” في بكين واسمه الحقيقي “تشوكينغ كان ” وقد عانى شتى مخاطر العنف منذ نعومة أظفاره.. فبعد وفاة أبيه الذي قتل إبان ثورة (البوكسر )كان شاهدا على الثورة التي طالت السلطة وعلى مذبحة شعب الماندشو عام 1907 حينما استقر بشكل دائم حكم سلالة الهان(أو الخان )بدءا من إمارة “سان يات سان” ثم” تشانغ كايشيك” ..وبدون مصدر رزق ثابت كان على الشاب ” لاو شيه ” أن يجهد نفسه في العمل لكي يعيل أسرته أولا كمعلم ثم كمراقب عام ضمن قطاع التربية في المناطق الريفية الواقعة في الشمال.. قرر بعدها الاغتراب.. حيث انطلق عام 1924 في رحلة طويلة أقام أثناءها بانجلترا.. وهناك تولى تدريس اللغة الصينية الرسمية (الماندارينية )في جامعة لندن.. وكان يمضي معظم أوقاته داخل مكتبة الجامعة وسط الهدوء التام.. وثمة إكتشف الرواية الانجليزية المعاصرة عبر ديكينز.. ثاكيتاري.. حيث حدس ببصيرته النفاذة رسالته في الحياة ككاتب يرى في فعل الكتابة الوسيلة الوحيدة بالنسبة له لايصال إرثه الإنساني.. لقد ألف في لندن روايته ” فلسفة لو تشانغ ” وهي نقد موجه ضد فساد المجتمع الصيني التقليدي ..وكذا لظاهرة استغلال المرأة.. ورواية “إرمات ” وهي أيضا هجاء لاذع لأحكام الغرب المسبقة تجاه الشرقيين.. بالنسبة ل “لاوشيه” فانه ليس هناك شك في أن الافكار الجديدة مصدرها الآن من الشرق وليس الغرب ..بعد عودته الى بكين ونشره عام 1937 لرائعته المعنونة “لوتو اكسيانغزي” (الجمل اكسيانغزي ) ذاع صيته كروائي من العيار العالمي..

 

وقبل سفره الى الولايات المتحدة عام 1946 كان قد بدأ في كتابة ” أربعة أجيال تحت سقف واحد ” وهي روايته الأم بأتم ماتعنيه هذه الكلمة من دلالة.. انها رواية متجاوزة لحد المألوف “مائة فصل وأكثر من مليون رمزمن رموز الكتابة الصينية!!” وقد كتبت على طريقة الرواية التقليدية الصينية (مثل تلك المعنونة حلم داخل المقصورة الحمراء ل:كاو إتكسويكين) وفيها قام برسم اللحظات التراجيدية للغزو الياباني عام 1937 .

 

الحرب..شر مطلق

 

أبطال هذه الرواية هم أهل بكين الذين يمثلهم “لاوشيه “وهم ثرثارون.. متلونون.. ومتواضعون..وخبثاء.. وسذج في نفس الوقت.. يتقاسمون الى عهد قريب “الهوتونغ” وهي البلاطات المغلقة التي تضفي جاذبية على مدينة “الماندشو” ..هناك العجوز ” تشي ” أطفاله أحفاده وأبناء أحفاده.. هذه الأجيال الأربعة تحت سقف واحد.. كانت تجسد تجليات السعادة الأكثر إكتمالا في الصين التقليدية.. هناك أيضا الشاعر “تشيان ” وعائلته والسافل ” غوان إكسياو هيه ” هذا المواطن المستعد لفعل أي شيء لكي يحافظ على إمتيازاته.. يسانده في ذلك ” القرعاء الحمراء السمينة” زوجته وقد سميت هكذا لكون فساتينها  قانية وهاجة وهي منبوذة بسبب شراستها وسلوكها السيء ..

 

في نفس الساحة يعيش أناس أكثر تواضعا ” أم لي ” الخادم الفتى القوي الذي يسحب العربات.. أستاذ الرقص ” ليو ” و “فين” و”روكسيا ” مغنيا الاوبرا والمغامر ” جون دينغ ” الذي يحسب نفسه من أصول انجليزية.. حيث يملك مسكنا في انجليترا وهناك يمارس هواية جمع كؤوس الشمبانيا غير المتجانسة..

 

ان الوصول المرعب لغزو اليابانيين الذين شرعوا في نهب واغتصاب وقتل الصين بتواطوء مع الغرب قد أغرق مدينة بكين في مأساة سوداء ..أحد أحفاد العجوز ” تشي ” شارك في المقاومة المسلحة وقد تردد الآخرون أوتعاونوا مع المحتل الغازي أما الشاعر ” تشيان ” فقد أفشى به السافل ” غوان إكسياو هيه ” لأن ابنه حاول أن يصد تقدم اليابانيين ثم زج به في غياهب التعذيب والتنكيل.. القرعاء السمينة حاولت أن توضف سفالتها بهدف الحصول على منصب رسمي.. فتصبح موظفة مهمتها السهر على صحة الداعرات اللواتي تبتزهن وتستغلهن ..ان الحرب هي الشر المطلق الذي يبرز الى العلن فضائل ورذائل كل شخص.. فالناس الاكثر تواضعا في امكانهم أن يصبحوا أبطالا مثل الاستاذ ” ليو ” الذي رفض ان يقدم رقصة الاسد أمام الغزاة أو الفتى ” كوي ” الذي يكافح ضد أنصار اليابانيين ..

 

ان رواية “لاو شيه” هي أكثر من مدونة لأخبار الحرب أو تمجيد للنزعة الوطنية الصينية.. فمأساة الغزو الياباني وسقوط بيكين سمحا له بالافصاح عن حبه لمدينته.. للطبقات الدنيا من الناس الذين تعج بهم الأحياء القديمة ..انها بالنسبة له فرصة لتشكيل بورتريه واقعي مشحون بالمشاعر والخصال الحميدة.. وكذا نقاط ضعف مواطنيه.. هؤلاء الذين في مقدورهم مجابهة أقسى التجارب بحس من الدعابة والحكمة التي تتميز بهما أقدم حضارة مدنية في العالم.. ان العالم الذي يعيد تشكيله أمامنا عالم هش وكامل مثل رائعة ادبية.. ثم انه لم يكن هذا العالم موجودا من قبل في الوقت الذي وصفه “لاوشيه” ورغم ذلك فقد تجلى تحت قلمه بقوة ووضوح ضمن شتى  تلاوينه وفي روائح المطابخ.. ألعاب الشارع المختلفة.. قوائم الاطعمة المحلية ومنها ” كعكة القمر ” التي كان العجوز “تشي ” يشتهيها.. أناقته الطبيعية.. جمال أشجاره وسط الساحات العمومية.. سماؤه الخريفية الصافية وهي تعلو فوق السقوف القرميدية البراقة ..وبخاصة تلك البراءة المحببة لبعض شخصياته.. هذه المرأة مثلا المسنة التي تخرج الى الشارع عندما تسمع خبر صمود الطيران الصيني في مواجهة الطيران الياباني بمنطقة الجنوب “كما لو كانت تستطيع مشاهدة تشنغاي انطلافا من حيها ” ..

 

ان “لاو شيه” يهزنا بنبرات سرده المستمدة من التقنيات القديمة للمسرح وذلك عبر ضجيج الاحداث المريعة التي تدمي الصين دون ان يرينا ذلك مباشرة.. كل هذا نابع ببساطة من ذاك الصدى الذي ينعكس من سكان “الهوتونغ” ..

 

ان بعض الفقرات في الرواية كمثل تلك التي تسرد لنا عملية الاستنطاق والتعذيب التي اخضع لها الشاعر ” تشيان ” تصل الى حد البشاعة التراجيدية ..ثمة رنين مميز يرتبط بصفحاتها.. حيث يمنحها معنى جبريا مشؤوما.. من هنا فان رواية ” أربعة أجيال تحت سقف واحد ” تعتبر بحق وصية “لاو شيه” بامتياز.

 

ماوراء اليأس

 

عندما عاد “لاو شيه” الى الصين الماوية (نسبة الى ماوتسي تونغ ) عرف كل أنواع التكريم حتى أنه أصبح رئيسا لاتحاد الكتاب وهذا قبل ان يفقد حظوته بسبب وفائه لأصوله وجذوره ..وفي عام 1966 وضمن حوار مع الصحافيين الامريكيين “روما وستيوارت جيلدر” تطرق “لاو شيه” الى تقلبات المستقبل حيال هذه الثورة (الثورة الثقافية في عهد ماو )التي ترمي الى الحضيض بكل قيم الصين التقليدية..لقد أصبح من جديد ذلك الغريب في بلده بالذات “الماندشو” المرفوض والمشنع عليه من طرف سلطة الهانيين (الخانيين ) ..

 

أثناء الثورة الثقافية اعتقل “لاو شيه ” من طرف شباب ينتمون للحرس الاحمر وتعرض خلالها للاستجواب والى صنوف من أشكال الاذلال والاهانات.. تماما مثلما حدث للشاعر ” تشيان ” بطل روايته ..بعدها نهب منزله كما رميت أوراقه وكتبه في احدى المجاري.. وأيام بعد ذلك إكتشفت جثته على ضفة بحيرة واقعة في ضواحي بيكين ..وقد استنتجت الشرطة قبل اجراء التحقيق بان” لاو شيه ” انتحر غرقا.. لكن شهود الحادثة اكدوا فيما بعد ان وجه الروائي وحده كان مبلولا.. وحسب رأي كل الذين عرفوا “لاو شيه” فان هذا الاخير صاحب شخصية لا تميل الى مثل هذا الفعل الشاذ ..

 

هل كان في مقدور “لاو شيه” ان يعيش حتى هذا العهد المعروف بالرعب والمجاعة ؟ في آخر فصول روايته ” أربعة أجيال تحت سقف واحد ” نجد الفتى ” تيانيو” يائسا من عالم يرفضه ولا يفهمه وعليه قرر أن يضع حدا لوجوده بان ألقى بنفسه في ” المحيط الكبير حيث يصبح في الأخير حرا ” رغم ذلك فان الذي يتبقى فيما وراء اليأس والكآبة بفضل هذا العمل الأدبي المتفرد هو عشق “لاو شيه” لهذا الشعب وهذه المدينة التي يتمنى لها الخلود.





Créer un Blog | Nouveaux blogs | Top Tags | 82 articles | blog Gratuit | Abus?