rachid-filali

rachid-filali
Profiles

كتاب”في إفريقيا”للإنجليزي بيتر بيدلكامب من روائع أدب الرحلات

mai 12th, 2012

 

 

 رشيد فيلالي

ليس من المبالغة تصنيف كتاب ” في إفريقيا” للإنجليزي بيتر بيدلكامب في طليعة روائع أدب الرحلات المعاصرة ،حيث استطاع الكاتب الذي هو في الحقيقة رجل أعمال شهير ببلاده أن ينقلنا عبر صفحات الكتاب التي تربوا عن 434 صفحة من الحجم الصغير _دار نشر أباكوس ترافل _لندن_ الى عدة بلدان من افريقيا الغربية وتحديدا الناطقة باللغة الفرنسية ، أي إفريقيا الفرنكوفونية. وقد سبق للناقدة مارغاريت باسبي من خلال عرضها لمحتوى الكتاب بملحق التايمز الادبي والذي نشر مقتطف منه على الغلاف الخارجي منه، الاشارة الى أن كتاب بيدلكامب ليس دليلا للسياحة بقدر ماهو كتاب يغوص بمهارة فائقة ضمن العوالم الخاصة التي تفصل ثقافتين متناقضتين هي الثقافة البريطانية والفرنسية بافريقيا.

 

لقد تنقل الكاتب ومعه القاريء عبر 10 بلدان افريقية هي البنين، بوركينا فاسو ،الكامرون، الكونغو ،ساحل العاج ،مالي ،النيجر ، السينيغال ، طوغو وأخيرا الزايير، ،ومنذ الصفحات الأولى يشد المؤلف باقتدار كبير انتباه القاريء ويحبس أنفاسه، وذلك باسلوبه المبهر الذي يسلط الضوء من خلاله على أسرار وألغاز خفية يستحيل التوصل اليها عبر  الكتب الجغرافية  الكلاسيكية للبلدان المذكورة، والتي عادة ماتقتصر على تقديم عموميات بسيطة واجرائية مفيدة نسبيا للتعريف ثقافيا بهذا البلد أو ذاك، لكن هذه العموميات تظل سطحية على كل حال عكس تلك التي قدمها مثلا بيتر بيدلكامب في مؤلفه الشيق، الذي يحتاج فعلا الى قراءة متأنية وواعية يمكن من خلالها استقصاء ما بين سطوره واستخراج لطائفه المكنونة بمتعة أكيدة ،،لقد تحدث المؤلف باسهاب في زيارته الى بلد البنين عن معبد الثعابين والسحر الأبيض، وعن ديانة الفودو، التي تستحضر فيها الأرواح والشياطين للعبادة والتبرك ،هذه الديانة التي صارت رسمية بهذا البلد منذ عام 1996 وهي منتشرة الآن بقوة في كل من هايتي والبرازيل بشكل خاص ،وحاور المؤلف في طريقه أيضا المبشرين المسيحيين المتواجدين بكثرة و الذين اعترفوا له بأن الاسلام أكثر مرونة وعقلانية من المسيحية)ص 21_22) و المثيرأنه في احدى المناسبات  أكل المؤلف لحما مشويا ضمن وليمة دعي اليها، واسم هذا اللحم باللهجة المحلية”أغوتي” وهو في الحقيقة.. لحم الفأر ؟؟

 

 وبمرارة تحدث المؤلف في رحلته الى بوركينا فاسو عن الفقر المدقع الذي يضرب شريحة كبيرة من السكان ،بحيث يصل معدل دخل الفرد السنوي هناك الى أقل من مائة دولار، يحدث هذا بالرغم من كون هذا البلد يعد في طليعة البلدان المنتجة للبطاطا والفاصوليا على سبيل المثال فقط .. ومن الظواهر الغريبة الشائعة فيه أن ممارسة السحر تتم أحيانا بواسطة استخدام الرؤوس البشرية، التي تباع لهذا الغرض بحسب عمر صاحب الرأس وجنسه )ذكر أو أنثى) ،وسنه الخ..وهي ممارسة بدائية مفزعة الى الحد الذي تقشعر له الأبدان)ص80) ..ومن جهة أخرى أكد المؤلف أن هذا البلد هو عاصمة الأعشاب الطبية في العالم من دون منازع ..وبالطبع فان افريقيا بها كذلك بلدان أقل فقرا وحققت نموا محترما على غرار الكاميرون التي اعترف المؤلف بانها نظيفة واهلها متحضرون ولهم مطبخ متقدم ،هذا البلد الذي من بين المحتلين السابقين له ألمانيا وحسب تصوره فان للاستعمار الالماني بعض الفضل في انجاز بهذا البلد عدة منشآت تخص البنية التحتية مثل الجسور والطرقات الواسعة )ص103) وهو رأيه على كل حال الذي يمكن أن يناقش ويحتمل جدا نقيضه..

 

الكونغو هو البلد الثالث الذي حط به المؤلف رحاله ،هذا البلد الملقب بكونغو برازافيل نسبة الى مؤسسه الكونت بيار سافورغنان دو برازا ومن الحقائق المثيرة التي كشف عنها المؤلف أن دولا غربية تتخذ من هذا البلد مقبرة لنفاياتها النووية السامة مقابل الحصول على حفنة من الدولارات يتسلمها مسؤولون متواطؤون )ص172_173) ويعد ذلك تعديا صارخا على البيئة وحقوق الانسان التي يتبجح الغرب بالدفاع عنهما ليل نهار ..

 

انتقل المؤلف الى بلد افريقي آخر له خصوصيته المحلية هذه المرة، وهو ساحل العاج الذي يعرف صراعا لغويا حادا بين الفرانكوفونية والانغلوفونية، حيث تجلى ذلك بوضوح في اختيار اسمه هل يكون بالفرنسية أم بالانجليزية، وقد رسا الأمر في النهاية على الاختيار الاول بقرار حكومي )ص184) ويعرف هذا البلد حضورجالية عربية نشطة في مقدمتها اللبنانيين الذين يعيشون هناك على التجارة، التي برعوا فيها الى حد بعيد )ص213) وقد أحصى المؤلف أيضا تواجد أكثر من 200 طائفة دينية بهذا البلد لازالت تمارس طقوسها بكل حرية )ص179)..

 

مالي هي البلد الافريقي الآخر الذي زاره المؤلف وعاين به  على المباشر مستوى الفقر الكبير الذي يتخبط فيه سكان هذا البلد ذو الطبيعة الصحراوية القاسية والجافة )233) وقد عرف المؤلف معانات شديدة على حدوده جراء العوائق البيروقراطية المتشددة، وتعتبر مالي ثاني أكبر بلد في افريقيا الغربية من حيث المساحة ، والطريف في الامر أن المؤلف تعرف على أحد رجال الجمارك وفي حواره العابر معه اكتشف أنه في حضرة رجل غير عاد، واسع الثقافة ومطلع على الآداب العالمية ومنها أعمال أشهر كتاب الانجليز أمثال تشرلز ديكينز وغيره..

 

بعد مالي وصل المؤلف الى النيجر، حيث الحرارة قياسية تبلغ أحيانا 50 درجة )ص271) وقد تعجب من الفقر الفاحش الذي يرزح تحته سكان هذا البلد الذي تحتوي أراضيه على كميات هائلة من معدن اليورانيوم الثمين)ص271) وانتقل بعدها المؤلف الى السينيغال التي اعترف بانها من البلدان الافريقية الهامة باعلامها المتقدم وكتابها ذوي الصيت العالمي )ص322) كما أن هذا البلد يعد من أكبر مصادر تجارة العصافير  بكل أنواعها في العالم )ص344)..

 

في الطوغو اندهش المؤلف وهو في عاصمة هذا البلد من فخامة بناياته )ص358)واحتوائه على جميع مايحتاجه السائح مهما بلغت درجة رفاهيته ومتطلباته وبأسعار أفضل ألف مرة من تلك الموجودة في أمريكا مثلا ..وفي بلد كالزايير افتتح المؤلف الحديث عنه بالقول أن كل شيء فيه ضخم ،البشر، المشاكل والاشاعات ،ويشتهر هذا البلد بتجارة الكوبالت والماس وفي غاباته ألف نوع من الطيور النادرة،وأكبر تجمع لحيوان وحيد القرن في العالم ،ويعرف هذا البلد بغاباته الكثيفة نتيجة الأمطار التي تتساقط به بمعدل مائة الى مائتين ملم في الساعة الواحدة، وأخطر مايواجهه هذا البلد هو مرض الأيدز والبلهاراسيا )ص402)..

 

هذه في الحقيقة مجرد طلة عابرة وعاجلة على كتاب ” في افريقا” الذي لا تغني بتاتا عن قراءته والاستمتاع بما ضمته دفتاه من معلومات ثرية وهامة وطريفة للغاية نجح المؤلف في رصدها باسلوبه الرشيق والممتع جدا.





Créer un Blog | Nouveaux blogs | Top Tags | 82 articles | blog Gratuit | Abus?