rachid-filali

rachid-filali
Profiles

رواية لـ”فرانز كافكا” تثير أزمة بين إسرائيل وألمانيا!

mai 12th, 2012

 

 رشيد فيلالي

 

رفضت ألمانيا إعادة مخطوط رواية ” المحاكمة” للروائي التشيكي فرانز كافكا   الموجود حاليا بمكتبة الأدب المعاصر بمرباخ، وذلك إلى المكتبة الوطنية لإسرائيل التي طالبت به مؤخرا حسب مانقلته صحيفة ” هاآراتس” مؤخرا، الأمر الذي جعل البلدين يدخلان في صراع قضائي محتدم حول من هو الأحق بملكية هذا المخطوط الذي للتذكير كان قد نجا من الحرق كون “ماكس برود” الصديق الحميم لكافكا رفض تطبيق وصية هذا الأخير التي يدعوه فيها الى حرق كل كتبه ومخطوطاته دون استثناء، ومنهنا لهذا الرجل الفضل في إنقاذ كنز أدبي له صيته وأصالته وتميزه ،بحيث ترك تأثيره النافذ والعميق في الرواية الحديثة  وروائيين على غرار غابريال غارثيا ماركيز وكارلوس فوينتس وكونديرا ومخرجين سنمائيين مثل فلليني وغيرهم ..

 

وتعد في الحقيقة حكاية مخطوط رواية ” المحاكمة ” لكافكا قصة طريفة فعلا، ومثيرة على شتى الأصعدة وذلك لكونها تصلح هي الأخرى كنص يترجم بأمانة الأجواء الروائية الخاصة بمؤلفها الذي مثلما سنرى في السطور القادمة أمضى طفولة قلقة و معذبة في ظل تربية أب قاس ومحيط إجتماعي منغلق على ذاته، متزمت وغارق في جلافة من الأحاسيس المكبوتة والعقد المرضية..

 

لقد إلتقى كافكا وماكس برود عام 1902 كطالبين في جامعة تشارلز في مجال الحقوق بالعاصمة التشيكية براغ، وكان كلاهما معجب بالنصوص الأدبية التي كان يبدعها كل واحد منهما، حيث ظلا يتبادلان قراء نصوصهما من حين لآخر،مما جعل صداقة متينة تربط الطرفين، واستمرت هذه العلاقة تزداد رسوخا مع مرور الأيام الى غاية سنة 1924 العام الذي إنعزل فيه كافكا عن العالم مصابا بحالة حادة من الإحباط الوجودي الحاد، حيث أقام في شقة باردة ببرلين مع رفيقة دربه ” دورا ديامنت” التي شغفته حبا وعاش صحبتها أحلى أيام عمره، وعندما إلتقى بصديقه ” ماكس برود ” قرر هذا الأخير بالنظر الى حالته الصحية والنفسية الحرجة نقله الى براغ ليتوفى بعدها داخل مستشفى بفيينا  تاركا ورقة يوصي فيها هذا الصديق بحرق كل ماتركه خلفه من أوراق ومخطوطات، لكن لحسن الحظ أن “برود”لم ينفذ هذه الوصية المشؤومة، إذ قام بنشر هذه الروايات مجملة في العام المقبل مباشرة (1925).. وفي عام 1939 فر ” برود” من براغ خشية  من البطش النازي ليستقر به الحال في تل أبيب حاملا معه حقيبة تتضمن كافة أوراق ومسودات كافكا، باستثناء منحه مخطوطة روايتي ” أمريكا” و” القصر ” الى مكتبة أكسفورد غير أنه لداع مجهول إحتفظ بمخطوطة رواية ” المحاكمة”.. وفي تل أبيب تعرف ” برود ” على ” أوتو هوفه “وهو مهاجر تشيكي مثله وذلك أثناء درس في اللغة العبرية وصارا بعدها صديقين حميمين، وعقب وفاة زوجته عين ” برود” ” إيستر هوفه ” وهي زوجة صديقه كسكريتيرة له والتي أضحت بمثابة مسيرة شؤونه وكذا الآمرة الناهية في كل شيء ! ومنها إمتلاك مخطوطات ” برود” الذي عند وفاته عام 1968 ترك وصية يؤكد فيها أن ” إيستر” هي المسؤولة عن المخطوطات وتمنى تلميحا لا تصريحا أن يكون مصيرها فيما بعد المكتبة الوطنية بالقدس الغربية، وهو الدافع وراء الدعوى القضائية المرفوعة من هذه المكتبة لإسترجاع مخطوطات كافكا، مازاد في تعقيد هذه المهمة هو قيام ” إيستر” ببيع عدد من هذه المخطوطات، حيث من سنة 1970 الى 1980 تم عرض في مزادات علنية أوراق لكافكا ومنها مراسلات بيعت في ألمانيا بسعر 46 ألف يورو، وقد فتحت هذه العملية شهية ” إيستر” لبيع المزيد من المخطوطات ومنها رواية” المحاكمة ” التي عرضت مقابلها ثمنا كبيرا ضمن مفاوضات جرت بباريس لم تتم، لكن عام 1988 بيعت بألمانيا هذه الرواية بمبلغ 1.98 دولارا!! وقد توفيت ” إيستر” عام 2007 تاركة خلفها ابنتين ومليون يورو وكنز أدبي آخر كما تركت أيضاإحساسا بخيانة الرجل الذي إئتمنها عن حسن نية ..

 

ومنذ السبعينيات وإسرائيل تطالب باعادة المخطوطة الأصلية لرواية ” المحاكمة” ليتجدد الصراع هذا العام 2009 والذي تصر فيه ألمانيا على أن رواية ” المحاكمة “  هي إرث وطني ملك لها ويستحيل التفريط فيه لأي جهة حتى ولو كان لغريمتها التاريخية إسرائيل!

 

ترى من يكون الروائي فرانز كافكا؟

 

انه كاتب باللغة الألمانية ولد بمدينة براغ التشيكية عام 1883 وفي هذه المدينة كان يعمل أبوه في التجارة وبدافع من هذا الأب الذي كانت علاقة الإبن به حساسة ومتوترة درس كافكا الحقوق بالجامعة وكانت فترة مراهقته متأثرة بمحيط مميز، حيث تبرز –أي في براغ المدينة الوسطية لأمبراطورية نمساوية هنغارية أو قوطية –الكثير من التناقضات ومظاهر ضعف أوربا القديمة، ومن هنا كان الشاب كافكا يقاسي ولو على مستوى الوعي فقط من حالة التمزق التي دمغت على عدة أصعدة مؤلفاته الإبداعية ووسطه السلافي الذي كانت تدور حوله حياته اليومية، وفي النهاية غربة اللغة وهواية الأدب ..

 

لقد نال في النهاية درجة الدكتوراه في القانون فانتقل إثر ذلك ليعمل بشركة للضمان الإجتماعي وذلك عام 1907لكن بطبيعته المعقدة لم يستطيع التكيف مع حياته العملية الجديدة، وإبان هذه المرحلة قام بعقد صداقاته الأدبية الأولى وكتب ” إستعدادات للعرس في الريف ” وحين تمكن من نشر مجموعة من المقالات بمجلة أدبية سنة 1908 باشر في كتابة ماأضحى يسمى فيما بعد ” يومياته الخاصة” هذا في الحين  الذي كان يتردد بمثابرة على مسرح اليديش.. حياته إذن كانت موشومة بسوء تفاهمه المتفاقم مع والده ثم أن تردده الدائم مع عشيقته البرلينية ” فيليسه باور” ضاعف من 1912 حتى 1917 في إنجراحاته النفسية، وقد ألهمه ذلك في نفس الوقت كتابة رائعته الأدبية الأولى ” المسخ ” و” الحكم “  و” 1912 ” إصلاحية أحداث ” و” المحاكمة “1914 التي يعكس فيها نظرته وفلسفته عن القانون وهي رواية غير مكتملة ..

 

في العام الموالي 1915 حقق شهرة نسبية بمنحه جائزة “فونتان” ونشره لروايته ” المسخ ” لكن في هذه السنة ذاتها بدأت تظهر عليه الأعراض الأولى لمرض السل الخطير، وعادت حلقة ( لقاء – خطبة –قطيعة ) لتتجدد مع جولي فولريتسيك (1918-1919) حينما كان يكتب ” رسالة الى الوالد” ويتبادل مراسلته مع مترجمة أعماله التشيكية ” ميلينا يزينكا (رسائله الى ميلينا لم تنشر حتى سنة 1952) بدأت صحته تسوء أكثر فأكثر وحالته الجسمانية مثل قلقه ومخاوفه دونت في ” يومياته ” بنبرات مشروخة لكنها صافية وصادقة، وقد نشر في عام 1919 مجموعة قصص تحت عنوان ” طبيب قرية”..

 

لقد عاش كافكا إذن في عالم من القلق بين قواه التي إنهارت ودوافع أعماله الإبداعية التي بقي عليه أن ينجزها مما يعني ذلك تألمه وتحرره في نفس الوقت، وفي حوالي 1922 إنتهى من كتابة ” القصر ” الرواية التي يظهر أنه شرع في كتابتها عام 1914.. وبعد إنصرام عام آخر تعرف في برلين على فتاة ذات أصول بولونية سبق لنا ذكرها وهي “دورا ديامنت” ..لقد إنطفأت حياته سنة 1924 وذلك داخل مصح للعلاج ولم ينفذ صديقه ” برود” وصيته بحرق كتبه وبذلك جعلنا نتعرف على أعمال أدبية كانت إنعكاسا أمينا لعصر بأكمله، وقد حجبت من الظهور مدة الحكم النازي غير أنها لم تعرف حضورها وأهميتها الحقيقية إلا بعد أن وضعت الحرب أوزارها ..

 

ان الحياة الخاصة لكافكا والتي عرفتنا بها يومياته ومراسلاته قد أثرت بها الى حد ما أعماله التي مارس من خلالها على نحو دائم استثماره لعالمه الداخلي، فالكتابة بالنسبة له كانت عبارة عن علاج يسمح له بتحرير مكبوتاته الجوانية، وأيضا أليس مدهشا أن نكتشف أنه بالعودة الى أعماله الأدبية نعثر بين الصعوبات التي واجهته صورة أبيه التي تتمظهر في الشخصيات الأبوية ل” المحاكمة” و” الحكم ” أو ” المسخ ” وهي صورة آب متسلط محبوب ومرهوب الجانب في ذات الوقت، ففي ” المحاكمة ” نجد صورة “هاسترر” المدافع عن “جوزيف ك” حيث يبدو كشخص عملاق ومرعب و”جورج  بنديمات” الأب الذي حكم على ابنه بالإعدام ثم أب “جورج سامسا” المحول الى حشرة، والذي يرمي الى ابنه الممسوخ بالتفاح في الوقت الذي كان هذا الأخير ينوس أمام قدميه..

 

ان أبطال كافكا جميعا بالإضافة الى ماسبق يعانون العزوبية، فهم يتمنون الزواج مثلما في ” إستعدادات لعرس ريفي ” كي يتسنى لهم الفرار من التسلط الأبوي لكن أحلامهم أجهضت بشكل لامفر منه، كل هذا الشغل الفني أيضا تشكل تحت تأثير التناقض والمفارقة، فسواء بالنسبة ل”جورج سامسا” في ” المسخ ” أو بالنسبة ل”جوزيف ك” في ” المحاكمة” فان الأب في كلا الحالتين هو الذي يؤمن للكائن البشري وضعا إجتماعيا مشرفا، وهو الذي يمنعه من أن يكرس نفسه كلية لهدفه في الحياة !ضمن هكذا شروط يظهر الإبداع كوسيلة للفرار من هذه الإرتهانات المؤلمة وذلك بقصد إيجاد ملاذ داخلي آمن، لكن الفنان لايوفق دوما في صنع مكان له في المجتمع، ففي ” بطل في الصوم” 1922 أو في ” جوزيفين المغتبطة ” 1924 نراه يعامل من طرف الشعب بشيء من التسامح والحماية المتعاطفة، لكنه غير معروف بدوره كمنقذ ..ان التقنية الروائية المسترسلة عند كافكا تتموضع حسب زاوية نظر الشخصيات الرئيسية.. هكذا الكاتب ينمحي أو –والأمر سيان – يتماهى في شخصياته التي إبتكرها.. ان الروائي لايتخذ موقع القائد الموجه وهذا هو الذي يفسر الإنعدام شبه الكلي للبعد السياسي وحتى الأخلاقي الذي يمكننا من أن نستخلص منهما قاعدة عامة في أعمال كافكا الروائية، وحده الفرد بالفعل له حساب وقيمة، هذا المورط في مأزق حقيقي أين يكافح ضمن معركة خاسرة سلفا.. انه يائس من منطق العالم وواقع في شرك العبث..ومثل هذه الطريقة في الإدراك تتجلى ضمن نسق سردي مختلف جدا عن نمط السرد الكلاسيكي.. ان الأوصاف المحيطة بالشخصية الرئيسية ليست ملزمة الحضور بما فيها البطل نفسه لم يقدم من طرف المؤلف في ” المحاكمة ” و” القصر ” مثلا، فنحن لانعرف عنه شيئا ولا حتى اسمه، وفي ” المسخ ” جسم البطل لايصبح له أهمية إلا إنطلاقامن لحظة التحول، أين ينقلب الى غير المألوف، انه بالتالي قد تم وصفه وتشكيله بدقة وعليه فقد نهض إنجازه عن طريق التنسيق بين هذين النوعين من الكتابة، انه العمل الإبداعي محضر بهدف إيقاظ رؤى مزدوجة وهي تلك المنسوبة للمتخيل البصري وتلك المستندة على المعطيات الحقيقية للوجود.





Créer un Blog | Nouveaux blogs | Top Tags | 82 articles | blog Gratuit | Abus?